محمد جمال الدين القاسمي

451

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

زعموا - والحال أنه ليس له على زعمهم أيضا صاحبة يكون الولد منها ؟ ويستحيل ضرورة وجود الولد بلا والدة ، وإن أمكن وجوده بلا والد . وأيضا ، الولد لا يحصل إلا بين متجانسين ، ولا مجانس له تعالى . وقوله تعالى : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ جملة مستأنفة ، لتقرير تنزهه عنه ، والحالية بعدها مؤكدة للاستحالة المذكورة . وقوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ جملة أخرى مستأنفة ، لتحقيق ما ذكر من الاستحالة . أو حال ثانية مقررة لها . أي : أنى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء انتظمه التكوين والإيجاد من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له تعالى : فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه ؟ - أفاده أبو السعود - . وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي : مبالغ في العلم أزلا وأبدا . جملة مستأنفة أيضا ، مقررة لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ، ببطلان مقالتهم الشنعاء . أي : أنه سبحانه لذاته عالم بكل المعلومات ، فلو كان له ولد ، فلا بد أن يتصف بصفاته ، ومنها عموم العلم ، وهو لغيره تعالى منفيّ بالإجماع . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 102 ] ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) ذلِكُمُ أي : الموصوف بما سبق ، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة ، إذ هو اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ أي : بالإيمان به وحده ، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي : رقيب وحفيظ ، يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 103 ] لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ جملة مستأنفة ، إما مؤكدة لقوله تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر ، وإما هي مؤكدة لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليه عن إفكهم أعظم تأكيد ، ببيان أنه لا تراه الأبصار المعهودة وهي أبصار أهل الدنيا ، لجلاله وكبريائه وعظمته ،